آخر الأحداث والمستجدات
من مهرجان للفكر والفن والتصوف إلى سباق نحو "الترند".. هل انحرفت بوصلة مهرجان عيساوة ؟
عندما انطلقت فكرة النسخة الجديدة لمهرجان عيساوة، لم تكن مجرد مشروع لتنظيم حفلات فنية أو صناعة محتوى رقمي يحصد ملايين المشاهدات، بل كانت رؤية متكاملة تبناها عامل عمالة مكناس، واقتنعت بها مختلف الفعاليات الاقتصادية والسياسية والثقافية بالمدينة، كما حظيت بدعم مالي عمومي غير مسبوق وقياسي من المجالس المنتخبة، على أساس بناء مهرجان دولي يليق بتاريخ مكناس ومكانتها الروحية والثقافية.
الفكرة التي نالت إجماع الداعمين كانت واضحة: مهرجان ينطلق من خصوصية المدينة باعتبارها عاصمة للتصوف وإحدى الحواضر التاريخية للمغرب، ويقدم منتوجا ثقافيا وفنيا راقيا، ويؤسس لإشعاع سياحي واقتصادي مستدام، بعيدا عن منطق المجاملات أو إرضاء هذا الطرف أو ذاك.
غير أن ما عاينه كثير من المتابعين منذ ما قبل حفل الافتتاح، وما رافقه من حملة ترويجية، يطرح سؤالًا جوهريا: هل أصبح الهدف هو تحقيق الشهرة السريعة والانتشار الرقمي بأي وسيلة، أم بناء مهرجان دولي يحترم الفكرة التي تأسس من أجلها ؟
مردّ هذا الحديث هو خيارات التواصل التي اعتمدها مهرجان عيساوة خلال دورة هذه السنة، التي حظيت بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وهي خيارات تثير عددا من علامات الاستفهام، بالنظر إلى الاعتماد المكثف على المؤثرين، وليس أي مؤثرين، بل على مؤثري «البيوتي» و«البلانات» و«السناكات»، الذين ينشط أغلبهم في محتوى «روتيني اليومي» والتجميل والإعلانات التجارية والمطاعم والأفراح، في مقابل حضور محدود للباحثين والنقاد والمثقفين والإعلاميين المتخصصين وصناع المحتوى الثقافي، بما يوحي بأن معيار النجاح بات يقاس بحجم المشاهدات والإعجابات أكثر من جودة الرسالة وقيمة المحتوى.
المشكلة ليست في الاستعانة بالمؤثرين في حد ذاتها، فالتسويق الرقمي أصبح ضرورة لأي تظاهرة كبرى، لكن الإشكال يكمن في غياب منهجية واضحة تربط وسائل التواصل بأهداف المهرجان. فهل المطلوب تحقيق ملايين المشاهدات مهما كانت الوسيلة؟ وهل يقاس نجاح مهرجان يحمل الرعاية السامية بعدد "اللايكات" أم بقيمة الأثر الثقافي والسياحي الذي يتركه؟
إن الرهان على الأرقام وحدها قد يتحول إلى فخ، خصوصا أن تضخيم التفاعل على منصات التواصل لا يعني بالضرورة تحقيق إشعاع حقيقي للمدينة أو استقطاب سياح ومستثمرين. فالمطلوب هو إشعاع مؤسس على جودة المحتوى، وليس مجرد انتشار رقمي عابر.
ويخشى متابعون أن يكون منطق الرأي الواحد قد أصبح يوجه بعض الخيارات داخل المهرجان، خاصة على مستوى السياسة التواصلية للمهرجان، في وقت تحتاج فيه تظاهرة بهذا الحجم إلى تعدد الآراء والاستماع إلى المختصين في الثقافة والتسويق وإدارة التظاهرات الدولية، حتى لا تنحرف الفكرة الأصلية عن مسارها، الفكرة التي من أجلها عبأت المجالس المنتخبة إمكانيات أقل ما يقال عنها ضخمة وغير مسبوقة لحدث ثقافي وفني.
إلى جانب السياسة التواصلية المعتمدة من طرف إدارة المهرجان، والتي يبدو أنها تتجه بشكل متزايد نحو تحويله إلى مهرجان لمنشورات «البيوتي» (Beauty)، لا ينبغي إغفال ضرورة معالجة الإكراهات التنظيمية التي سجلتها الدورة السابقة، وعلى رأسها ضمان مقعد لكل حامل دعوة أو تذكرة، وتحسين تجربة الجمهور، والارتقاء بجودة التنظيم، باعتبار أن هذه العناصر هي التي تصنع سمعة المهرجانات الكبرى، وليس الحملات الرقمية وحدها.فكل ضيف أو متابع من الحاضرين يحمل هاتفًا، وكل هاتف مزود بكاميرا، وكل كاميرا قادرة، في لحظة واحدة، على نقل صورة حقيقية لما يجري على أرض الواقع، بما قد يكشف الفارق بين الصورة التي تصنعها الحملات الترويجية على منصات التواصل الاجتماعي، والواقع الذي يعيشه الجمهور داخل فضاءات المهرجان.
مسألة أخرى لا تقل أهمية عما سبق، تتعلق بتدبير المال العام ومصادر تمويل المهرجان. فنجاح أي مهرجان دولي لا يقاس فقط بحجم الدعم العمومي الذي يحظى به، بل أيضا بقدرته على استقطاب القطاع الخاص والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، وتنويع مصادر تمويله بما يضمن استدامته. فبعد ست دورات، أو على الأقل بعد دورة استثنائية خلال السنة الماضية، يظل السؤال مطروحا: أين شركات الاتصالات؟ وأين المؤسسات البنكية والشركات العقارية، خاصة تلك التي تنجز مشاريع بمليارات الدراهم في مكناس؟ وأين المؤسسات الوطنية الكبرى التي اعتادت رعاية المواعيد الثقافية والفنية الكبرى، من قبيل «موازين» و«كناوة» بالصويرة و«تيميتار» و«مهرجان إفران الدولي»؟ هل فشلت إدارة المهرجان في إقناع مؤسسة اقتصادية واحدة من هذه المؤسسات بالمساهمة في دعم هذا المشروع الثقافي ؟ أم أن الاعتماد المتواصل على المال العام أصبح خيارا مريحا، جعل المهرجان يستلذ «حلاوة» التمويل العمومي بدل البحث عن نموذج اقتصادي أكثر تنوعا واستدامة ؟
إن استمرار الاعتماد شبه الكامل على المال العمومي، خاصة أموال المجالس المنتخبة الفقيرة التي تواجه تحديات يومية في توفير خدمات أساسية للمواطنين، يفرض التفكير في نموذج اقتصادي أكثر استدامة، يجعل المهرجان قادرا تدريجيا على تمويل جزء مهم من ميزانيته عبر الرعاية والاستثمار الثقافي.
لقد استحقت فكرة مهرجان عيساوة دعم مختلف الفاعلين لأنها كانت تحمل طموحا كبيرا لمكناس، مدينة التصوف والتاريخ. غير أن الحفاظ على هذا الطموح يقتضي العودة إلى الفكرة المؤسسة: مهرجان يبني إشعاعا ثقافيا وسياحيا حقيقيا، ويقدم صورة عميقة عن المدينة، لا أن يتحول إلى سباق محموم نحو "الترند" وملايين المشاهدات التي قد تنتهي بانتهاء "موسم" المهرجان، بينما يبقى الرهان الحقيقي هو بناء علامة ثقافية دولية راسخة تحمل اسم مكناس لسنوات طويلة.
| الكاتب : | المكناسي عثمان |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-07-23 14:05:52 |










